الوصال ـ حذّر الكاتب علي بن راشد المطاعني من اتساع ممارسات إسناد مناقصات داخل سلطنة عُمان إلى شركات محلية، بينما تُنجز أجزاء كبيرة من أعمالها فعليًا خارج البلاد، معتبرًا أن استمرار هذا النمط يضعف أثر الإنفاق الحكومي والخاص على الاقتصاد المحلي ويحد من استفادة المؤسسات والكوادر الوطنية من هذه المشروعات.
وأوضح المطاعني خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن التطور التقني والتواصل الرقمي سهّلا نقل الكثير من الأعمال إلى الخارج، ما يستدعي تطوير سياسات وضوابط أكثر دقة تضمن ألا تتحول المناقصات المحلية إلى بوابة لإنجاز الأعمال خارجيًا دون قيمة مضافة حقيقية داخل السوق العُماني. وأشار إلى أن هذه الممارسات ليست جديدة، وأن رجال أعمال أبلغوه عن حالات دخلوا فيها مناقصات بأسعار محسوبة على تكاليف التشغيل داخل سلطنة عُمان، بينما فازت شركات أخرى تملك أعدادًا محدودة جدًا من العاملين وتنجز معظم أعمالها خارج البلاد.
قياس أدق
ورأى المطاعني أن الإشكالية لا تكمن فقط في نسبة التعمين المعلنة، وإنما في كيفية قياس القيمة المحلية المضافة فعليًا داخل كل مشروع. وأضاف أن بعض الشركات قد تسجل نسبة تعمين مرتفعة جدًا، لكنها في المقابل لا تضم سوى عدد محدود من الموظفين، بينما توجد شركات أخرى تضم عشرات أو مئات العاملين وتتحمل تكاليف تشغيلية أكبر داخل سلطنة عُمان. وأكد أن الجهات التي تسند المناقصات يجب ألا تعتمد على نسبة التعمين وحدها، وإنما تنظر كذلك إلى إجمالي عدد العاملين، وكفاءتهم، ومؤهلاتهم، والقدرة التشغيلية الحقيقية للشركة داخل البلاد.
تقييم مستقل
ودعا المطاعني إلى وجود جهة محايدة تتولى تقييم المحتوى المحلي، بدل أن تعتمد الشركات أو الجهات الحكومية على تقييم نفسها بنفسها. وبيّن أن قياس المحتوى المحلي يحتاج إلى معايير واضحة قابلة للتحقق، بمشاركة جهات رقابية واقتصادية ومؤسسات معنية بسوق العمل والقطاع الخاص.
وأضاف أن الاكتفاء باستمارات تعبئها الشركات حول أعداد الموظفين أو حجم مساهمتها المحلية لا يوفر تقييمًا موضوعيًا كافيًا، ما لم توجد جهة مستقلة تتحقق من الأرقام والمكونات الفعلية للمشروع. وأشار إلى أن تقييم المحتوى المحلي ينبغي أن يكون قائمًا على بيانات واقعية ومؤشرات يمكن مراجعتها، وليس فقط على تصريحات الشركات أو نسب تقدمها بنفسها.
أعمال إعلامية وتقنية
وضرب المطاعني مثالًا بالأعمال الإعلامية، موضحًا أن التطور الرقمي أتاح تنفيذ برامج وأفلام وثائقية وتصاميم ومحتويات من خارج البلاد بسهولة كبيرة عبر البريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل. وأشار إلى أن شركات عُمانية قائمة وتضم شبابًا وكوادر محلية قد تجد نفسها في منافسة غير متكافئة مع شركات تنجز معظم أعمالها خارجيًا بتكاليف أقل.
وأضاف أن المشكلة تتسع بصورة أكبر في قطاع تقنية المعلومات والبرمجيات والحلول الإلكترونية، معتبرًا أن مبالغ كبيرة تذهب إلى أعمال تُنفذ خارج سلطنة عُمان رغم إسنادها إلى شركات تعمل محليًا. وبيّن أن شركة تنفذ مشروعًا تقنيًا كبيرًا بملايين الريالات، بينما لا تضم داخل البلاد سوى عدد محدود جدًا من الموظفين، يجب أن تخضع لتقييم أكثر عمقًا قبل إسناد المشروع إليها.
مكونات خارجية
وأكد المطاعني أن بعض المشروعات تحتاج بطبيعتها إلى مكونات أو برامج من الخارج، وهو أمر مقبول، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين ذلك وبين نقل الجزء الأكبر من تنفيذ المشروع إلى خارج البلاد. وأشار إلى أن الإشكالية تظهر عندما تُطرح المناقصة محليًا بينما تنفذ معظم مكوناتها دوليًا، رغم أن الهدف من إسنادها محليًا يفترض أن يكون تعظيم العائد الاقتصادي داخل سلطنة عُمان.
وأضاف أن مراقبة التحويلات المالية قد تساعد في كشف حجم الأموال التي تغادر إلى الخارج، لكنها غالبًا تأتي بعد إسناد المشروع، بينما المطلوب هو بناء ضوابط استباقية قبل الترسية. وقال إن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى «تسرب» جزء من قيمة المحتوى المحلي بدل بقائه داخل الاقتصاد الوطني.
مناقصات واسعة
ولفت المطاعني إلى أن حجم المناقصات لا يقتصر على الجهات الحكومية التقليدية، وإنما يشمل شركات حكومية وأجهزة ومؤسسات متعددة، ما يجعل حجم الإنفاق المرتبط بها كبيرًا. وأشار إلى أن تعدد الجهات التي تطرح المناقصات يتطلب وجود رؤية موحدة لمفهوم المحتوى المحلي، بدل أن تعمل كل جهة بمعايير مختلفة عن الأخرى. وأضاف أن تعظيم القيمة المحلية يحتاج إلى أدوات تقييم موحدة واشتراطات واضحة تنطبق على مختلف الجهات التي تسند المشروعات.
تكلفة أقل
ورفض المطاعني اعتبار عدم استدامة المشروعات مبررًا لنقل التنفيذ إلى الخارج، موضحًا أن الأنظمة تسمح بالتعاقد المؤقت مع العاملين وفق احتياجات المشروع. وأضاف أن بعض الشركات تلجأ إلى خفض تكلفتها عبر تنفيذ أعمالها خارجيًا، ما يمنحها قدرة على تقديم أسعار أقل من شركات تتحمل رواتب ومقار والتزامات تشغيلية داخل سلطنة عُمان.
ورأى أن التركيز المفرط على السعر الأقل قد يؤدي إلى إضعاف الشركات التي تخلق وظائف وتدفع إنفاقها داخل السوق المحلي، لصالح كيانات تملك حضورًا محدودًا داخل البلاد. وأكد أن القيمة الحقيقية للمناقصة لا تُقاس فقط بالسعر الذي تُسند به، وإنما أيضًا بما تضيفه من نشاط اقتصادي وتوظيف ومشتريات وخدمات داخل السوق.
إنفاق يتسرب
وبيّن المطاعني ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الأموال التي تُنفق خارج البلاد تحرك اقتصادات وأسواقًا أخرى بدل أن تنعكس على النشاط المحلي. وأوضح أن الإنفاق الحكومي يمثل أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد، وبالتالي فإن خروج نسبة كبيرة منه إلى الخارج يقلل أثر المشروعات على المؤسسات المحلية والوظائف والمشتريات والخدمات.
وأضاف أن المناقصة التي يُنفق 70 أو 80 بالمائة من قيمتها داخل سلطنة عُمان تختلف اقتصاديًا عن أخرى لا يبقى منها في السوق المحلي سوى نسبة محدودة. وأشار إلى أن تقييم المناقصات يجب أن يراعي الأثر الاقتصادي الكلي، وليس الجانب المالي الضيق المرتبط بخفض السعر فقط.
تاريخ بلا كوادر
وكشف المطاعني عن حالات لشركات عُمانية ذات تاريخ يمتد إلى عقود، لكنها نقلت جزءًا كبيرًا من موظفيها إلى الخارج وأبقت داخل سلطنة عُمان فرقًا محدودة للتنسيق والمتابعة والتسويق. وأوضح أن بعض هذه الشركات ما زالت تستفيد من تاريخها الطويل وسجلها السابق عند التقدم للمناقصات، رغم أن قدرتها التشغيلية الحالية داخل البلاد تقلصت بصورة واضحة.
وأضاف أن شركة كان لديها في السابق مئات الموظفين قد تصبح اليوم بعشرات قليلة، بينما يبقى سجلها التاريخي هو العنصر الأبرز في تقييمها الفني. ورأى أن الجهات المعنية مطالبة بمراجعة الوضع الحالي للشركة وليس تاريخها فقط، من خلال التحقق من عدد الموظفين المسجلين فعليًا وقدرتهم التشغيلية وحجم الأعمال التي تنفذ داخل سلطنة عُمان.
هامش الربح
وأشار المطاعني إلى أن نقل بعض الشركات لأعمالها إلى الخارج يرتبط في كثير من الحالات بتعظيم هامش الربح نتيجة انخفاض تكاليف التشغيل والالتزامات مقارنة بالسوق المحلي. وأكد أن هذا السلوك قد يكون قانونيًا من ناحية وجود فروع خارجية وتنفيذ الأعمال فيها، لكن ذلك لا يمنع الجهات الحكومية من وضع اشتراطات تقلل أثره السلبي على الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن القضية ليست في منع الشركات من التوسع خارجيًا، وإنما في مدى ملاءمة إسناد مشروعات كبيرة إليها إذا كان وجودها الفعلي داخل سلطنة عُمان محدودًا. وتساءل عن جدوى إسناد مشروع بملايين الريالات إلى شركة لا يتجاوز عدد موظفيها في البلاد عددًا بسيطًا، بينما يتم الجزء الأكبر من التنفيذ خارجيًا.
قطاعات متعددة
وبيّن المطاعني أن الظاهرة لا تقتصر على قطاع تقنية المعلومات، وإنما يمكن أن تمتد إلى الهندسة والخرائط والمخططات والتصميم والإنتاج الإعلامي وإعداد المحتوى والترجمة والاستشارات والمحاسبة والقانون وغيرها. وأضاف أن الأعمال التي تحتاج إلى وجود مادي مباشر داخل البلاد، مثل بعض الأعمال الإنشائية والزراعية، هي الأقل قابلية للنقل إلى الخارج، فيما أصبحت الأعمال الرقمية والمهنية أكثر سهولة في هذا الجانب. وأشار إلى أن اتساع هذه الممارسات مع التطور التكنولوجي يجعل الحاجة إلى مراجعة الضوابط أكثر إلحاحًا.
زيادة مع التقنية
وأكد المطاعني في حديثه ببرنامج «منتدى الوصال» أن تنفيذ الأعمال خارج البلاد ازداد مقارنة بالماضي بسبب الأدوات الرقمية الحديثة وسهولة إدارة المشاريع عن بُعد. وأوضح أن البريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل والاجتماعات المرئية أتاحت حتى إدارة بعض المهام المالية والإدارية من الخارج وكأن الموظف موجود داخل الشركة. ورأى أن هذه التحولات تفرض مراجعة القوانين والأطر والمعايير بصورة مستمرة، لأن الأدوات القديمة في تقييم الشركات قد لا تكون كافية لمواجهة نماذج العمل الجديدة.
جهاز مستقل
وتناول المطاعني مقترحًا بإنشاء جهة مهنية مستقلة تراجع مصادر مكونات المشروعات الحكومية ومدى تنفيذها داخل سلطنة عُمان. وأوضح أن الحاجة ليست مرتبطة بحجم هذه الجهة بقدر ما ترتبط بامتلاكها الخبرة الفنية والاستقلالية اللازمة للتقييم والتحقق.
وأضاف أن الجهة المقترحة يمكن أن تقيم كذلك أداء المؤسسات الحكومية في تحقيق المحتوى المحلي، بدل أن تكون كل جهة مسؤولة عن تقييم نفسها. ودعا إلى وجود آلية تمنح تقييمًا أو اعتمادًا واضحًا للمؤسسات والشركات التي تحقق نسبًا فعلية من المحتوى المحلي، مع إمكانية التحقق والمحاسبة عند وجود معلومات غير دقيقة. وأشار إلى أن هذا الملف يتجاوز حدود المناقصات ليصل إلى الاقتصاد ككل، لأن كفاءة الإنفاق المحلي ترتبط بقدرة المشروعات على تحريك السوق وخلق فرص العمل.
التقنية أولًا
وحدد المطاعني قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والأمن السيبراني والأنظمة الرقمية ضمن أكثر المجالات التي تحتاج إلى اهتمام بالتوطين، نظرًا إلى نمو حجم أعمالها بصورة متسارعة. ورأى أن هذا القطاع يجب أن يكون في مقدمة القطاعات المستهدفة بتوطين القدرات والمشروعات، لأن حجم الطلب عليه سيتوسع خلال السنوات المقبلة. وأكد في الوقت نفسه أن مسؤولية المحتوى المحلي لا تقع على جهة حكومية واحدة، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشارك فيها جميع الجهات ذات الصلة.
دور المجتمع
ولفت المطاعني إلى أن تعزيز المحتوى المحلي لا يقتصر على المشتريات الحكومية، وإنما يمكن أن يسهم فيه المجتمع كذلك من خلال تفضيل المنتجات والخدمات التي تقدمها كوادر ومؤسسات وطنية عندما تكون مناسبة. وأضاف أن اختيار المستهلك التعامل مع موظف أو مقدم خدمة عُماني يدعم موقعه داخل المؤسسة ويزيد الطلب على الكفاءات الوطنية. واعتبر أن قوة المجتمع في دعم المحتوى المحلي كبيرة، وأن ترسيخ هذا المفهوم يتطلب مشاركة حكومية ومؤسسية وفردية في الوقت نفسه.
نقد للمصلحة العامة
وفي ختام حديثه، أكد المطاعني أن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الوقائع، وإنما يشمل استشراف التحديات وطرح الحلول والتنبيه إلى القضايا التي تمس المصلحة العامة. ودعا الجهات الحكومية إلى التعامل بجدية مع الملاحظات التي تطرح في وسائل الإعلام ومتابعتها من منظور المصلحة الوطنية، مؤكدًا أن معالجة قضايا المحتوى المحلي تحتاج إلى تحرك جماعي من الجهات المعنية، لا إلى جهود منفردة.
لمتابعة برنامج «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام: