الوصال ـ أكد الدكتور أسعد الحضرمي، عضو جمعية المحامين العُمانية، أن المحامي لا يملك ضمان نتيجة القضية أو منح موكله نسبة محددة للفوز بها، موضحًا أن دوره يقوم على دراسة الملف وكشف نقاط القوة والضعف وبذل العناية القانونية، فيما تبقى النتيجة النهائية خاضعة لما تنتهي إليه المحكمة. وأوضح الحضرمي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن من أبرز أدوار جمعية المحامين العُمانية تعزيز الوعي بأخلاقيات المهنة وميثاقها، باعتبار المحاماة مهنة حرة ورسالة تسهم في سيادة القانون ودعم منظومة العدالة إلى جانب السلطة القضائية.
لا وعود
وأشار إلى أن من الممارسات التي ينبغي التنبه لها تقديم وعود للموكل بكسب الدعوى أو الحصول على البراءة أو تعويض بمبلغ محدد. وبيّن أن المحامي لا يملك النتيجة النهائية، وإنما يملك الاجتهاد في دراسة القضية وتقديم أوجه الدفاع والعمل على إظهار ما يدعم موقف موكله. وأضاف أن القول للموكل إن القضية «مضمونة» بنسبة 90 بالمائة أو أي نسبة أخرى لا يستند إلى منهج مهني سليم، لأن المحامي في بداية الملف لا يكون قد اطلع على كامل ما لدى الطرف الآخر من دفوع وأدلة.
وأوضح أن السؤال الأكثر واقعية في اللقاء الأول مع المحامي هو الاستفسار عن نقاط القوة والضعف في الملف، وليس عن النسبة المتوقعة لكسب الدعوى. ولفت إلى أن نظرة المحامي تختلف عن قراءة صاحب القضية، لأن بعض المستندات التي يراها الشخص كافية قد لا تستوفي المتطلبات القانونية من حيث الشكل أو الإثبات.
الاستشارة مدفوعة
وبيّن الحضرمي أن الاستشارة القانونية الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجانية، وفق ما يقرره ميثاق شرف المهنة، لأنها تقوم على دراسة المستندات والوقائع وليس على إجابة مختصرة عن سؤال عام. وأضاف أن تقديم رأي قانوني دقيق يتطلب الاطلاع على العقود والإثباتات والمراسلات وغيرها من الوثائق، إذ قد يختلف التقييم بالكامل بعد فحص الأوراق.
وضرب مثالًا بمن يذكر أن لديه عقدًا، ثم يتبين بعد الاطلاع عليه أنه غير موقع ولم يكتسب وصف العقد بالمفهوم القانوني الكامل. وفرّق في هذا الجانب بين الاستشارة القانونية وبين التوعية العامة عبر المحاضرات والبرامج والمواد التثقيفية، موضحًا أن الأخيرة يمكن تقديمها للجمهور دون أن تتحول إلى استشارة خاصة لحالة بعينها.
أسرار الموكل
وأكد الحضرمي أن المحافظة على أسرار الموكل من الالتزامات الجوهرية للمحامي، وأن هذا الواجب يستمر حتى بعد انتهاء القضية والعلاقة المهنية. وأشار إلى أن حماية السر لا تقتصر على الامتناع عن الإفصاح عنه، وإنما تشمل اتخاذ ما يلزم لمنع وصول المعلومات والملفات إلى أطراف أخرى. وأضاف أن نشر قضايا منظورة أمام المحاكم أو التعليق عليها إعلاميًا يخضع لضوابط، ولا يكفي حذف الأسماء ثم سرد التفاصيل.
وأوضح أن هناك فارقًا بين تقديم توعية قانونية عامة حول الاحتيال الإلكتروني أو التجارة الهرمية مثلًا، وبين كشف تفاصيل قضية محددة ارتبط بها المحامي مع موكله. وأكد أن بقاء المعلومة سرًا لا ينتهي لمجرد مرور سنوات على القضية إذا كانت في أصلها من أسرار الموكل.
المحتوى القانوني
وتطرق الحضرمي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى ما وصفه بالرصانة في المحتوى القانوني، موضحًا أن المحامي ملزم بالحفاظ على صورة المهنة في ظهوره الشخصي والإعلامي والرقمي. وقال إن وسائل التواصل الاجتماعي لا تمنح المحامي مساحة منفصلة تمامًا عن صفته المهنية، لأن حضوره فيها يظل مرتبطًا بالثقة التي يفترض أن يحملها الجمهور تجاه المهنة.
وحذر من تقديم معلومات قانونية متسرعة أو غير مكتملة عبر المنصات الرقمية، لأن البعض قد يبني عليها قرارات فعلية ويدخل في نزاعات أو دعاوى بلا جدوى. وأضاف أن الاستشارات عبر مواقع التواصل غالبًا ما تكون ناقصة لغياب تفاصيل الوقائع والمستندات، ولذلك ينبغي التفريق بينها وبين التثقيف القانوني العام. وأشار في الوقت نفسه إلى وجود محامين نجحوا في تقديم محتوى قانوني حديث وجاذب دون الخروج عن معايير المهنة، معتبرًا أن التجديد في طريقة العرض أمر مقبول متى حافظ على الدقة والرصانة.
تفويت المواعيد
وحول مسؤولية المحامي عند تفويت جلسة أو موعد قانوني، أوضح الحضرمي أن بعض المواعيد تمثل عنصرًا جوهريًا في القضية، مثل آجال الاستئناف والتقادم. وقال إن الإخلال بهذه المواعيد قد يعد تقصيرًا جسيمًا إذا ترتب عليه ضياع حق الموكل، وقد تنشأ عنه مسؤولية عقدية على المحامي. وأضاف أن قانون المحاماة الجديد ألزم المحامين بالتأمين على أعمالهم، بما يتيح وجود تغطية للتعويض عن بعض الأخطاء المهنية التي يمكن أن تقع نتيجة السهو أو التقصير، إلى جانب المساءلة أمام الجهات المختصة.
أتعاب المحامي
وبيّن الحضرمي أن الاتفاق على أتعاب المحاماة يظل علاقة تعاقدية بين المحامي والموكل، ولا توجد قاعدة واحدة تلزم بأن تكون الأتعاب قبل القضية أو بعدها. وأشار إلى أن قيمة الأتعاب لا ينبغي ربطها على نحو مطلق بكسب الدعوى أو خسارتها، وإنما بما يتفق عليه الطرفان ضمن الحدود القانونية. وأضاف أن القانون يمنع أن تكون أتعاب المحامي حصة عينية من محل النزاع، موضحًا أنه لا يجوز مثلًا الاتفاق على أن يحصل المحامي على جزء من أرض محل خصومة مقابل الترافع في القضية.
لا للإعلانات
وأكد الحضرمي أن قانون المحاماة يمنع استخدام الدعاية والإعلان ووسائل الترغيب أو الوسطاء بقصد استقطاب الموكلين. وأشار إلى أن المحامي لا يعامل في هذا الجانب بالطريقة نفسها التي تعامل بها الأنشطة التجارية، لأن المحاماة في أساسها رسالة مرتبطة بمنظومة العدالة. وأوضح أن وسائل التعريف المسموح بها تقتصر على نطاق محدد، من بينها لوحة المكتب وفق المقاييس المعتمدة والموقع الإلكتروني والوسائل الرسمية التي يجيزها النظام.
وأضاف أن استخدام المؤثرين أو الدعاية التجارية أو الوسطاء لجذب القضايا لا يدخل ضمن الأساليب المسموح بها، مشيرًا إلى أن المنع أصبح واضحًا بعد صدور القانون في 2024. كما أشار إلى منع استخدام بعض الألقاب السابقة في الترويج، مثل وصف المحامي نفسه بأنه «قاضٍ سابق»، لما قد يترتب على ذلك من تأثير غير مناسب في تصور الجمهور عن مكانته أو قدرته.
احترام الزمالة
وأوضح الحضرمي أن العلاقة بين المحامين تقوم كذلك على مجموعة من الضوابط التي تحكم التعامل بين الزملاء. وأشار إلى أنه لا يجوز للمحامي التواصل مباشرة مع موكل زميله في قضية، وإنما يكون التواصل عبر المحامي الذي يمثله. كما لا يجوز الإساءة إلى أداء محامٍ آخر أو الانتقاص منه أمام الجمهور أو الموكلين، سواء في شخصه أو في عمله المهني. وأضاف أن المحادثات التي تجري بين المحامين بقصد محاولة الوصول إلى تسوية أو صلح لا يجوز استغلالها لاحقًا أمام المحكمة لإضعاف موقف الطرف الآخر.
الحضور المهني
وتحدث الحضرمي كذلك خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عن الوقار في المظهر والخطاب، موضحًا أن روب المحاماة الأسود يمثل الزي المهني المعتمد أمام المحاكم، وأن طريقة ارتدائه والحضور العام للمحامي جزء من صورة المهنة. وأشار إلى أن الحفاظ على المهنية لا يعني رفض الأجيال الجديدة أو أساليب صناعة المحتوى الحديثة، وإنما ضبطها بما يتناسب مع طبيعة المحاماة. وأكد أن المحامي يستطيع بناء حضوره واسمه المهني من خلال جودة عمله أمام المحاكم ومتابعته لقضايا موكليه، وليس بالضرورة عبر الإعلانات.
عضوية الجمعية
وأشار الحضرمي إلى أن عضوية جمعية المحامين العُمانية ليست إلزامية لجميع المحامين حاليًا، إذ إن الترخيص بمزاولة المهنة يصدر من وزارة العدل والشؤون القانونية. وقال إن الجمعية لا تملك في الوقت الراهن نصًا قانونيًا يلزم جميع المحامين بالانضمام إليها، ولذلك فإن عدد الأعضاء لا يشمل كامل الممارسين. ورأى أن وجود إطار يلزم المحامين بالانضمام إلى الجمعية يمكن أن يقوي دورها باعتبارها ممثلًا للمهنة وصوتًا للمحامين عند مناقشة التشريعات والقرارات والتحديثات المرتبطة بعملهم.
وأشار إلى أن الجمعية أسهمت في عدد من المبادرات، منها توفير مقار للمحامين داخل بعض المحاكم بما يتيح لهم العمل وانتظار الجلسات واستخدام بعض الخدمات المساندة. وأكد في ختام حديثه أن المحامي الجديد يستطيع بناء اسمه خلال فترة قصيرة إذا أثبت جدارته ومهنيته، موضحًا أن تجربة الموكل الجيدة وما ينقله عن المحامي قد تكون أكثر تأثيرًا من مئات الإعلانات.