الوصال ـ استعاد المكرم الدكتور علي العيسائي، الدبلوماسي السابق والكاتب، دعوة سلطنة عُمان التي طرحتها قبل نحو خمسة عقود لبناء إطار أمني جماعي يضم الدول المطلة على الخليج، معتبرًا أن جوهر تلك الرؤية ما يزال قائمًا اليوم، في ظل استمرار الحاجة إلى منظومة تمنح دول المنطقة وشعوبها قدرًا أكبر من الاستقرار والاطمئنان. وأوضح العيسائي، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، أن اجتماع مسقط عام 1976 جاء بدعوة من سلطنة عُمان في وقت كانت تشهد فيه المنطقة تحديات وعدم استقرار، وكان الهدف منه البحث عن صيغة للأمن الجماعي تشمل الدول الثماني المطلة على الخليج.
وأشار إلى أن الظروف السياسية تغيرت لاحقًا مع الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما أدى إلى انتقال الاهتمام من الإطار الإقليمي الشامل إلى منظومة تجمع الدول الخليجية الست. ورأى أن مجلس التعاون يستطيع الاضطلاع بجانب مهم من المسؤولية الأمنية، إلا أن تحقيق أمن أشمل للمنطقة يحتاج، وفق رؤيته، إلى إشراك الدول المؤثرة والمطلة على الخليج، وفي مقدمتها العراق وإيران، وإلى اليمن مستقبلًا مع استقرار أوضاعه وقيام دولة موحدة فيه.
الأمن يبدأ بعدم الاعتداء
وبيّن العيسائي أن التجارب الدولية قدمت نماذج يمكن الاستفادة منها عند التفكير في أمن المنطقة، ومن أبرزها مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا الذي تحول لاحقًا إلى منظمة وأدى دورًا في إدارة التوترات خلال الحرب الباردة. وأشار إلى أن أي منظومة أمنية إقليمية تحتاج في أساسها إلى مبادئ واضحة، يتقدمها عدم الاعتداء، بحيث تشعر كل دولة بأنها ليست مهددة من دولة أخرى تشترك معها في الإطار الأمني.
وأضاف أن حل النزاعات بالطرق السلمية وإدارة الأزمات ومناطق التوتر تمثل عناصر أساسية في أي ترتيب من هذا النوع، خصوصًا أن الخلافات السياسية والحدودية يمكن أن تظهر في أي منطقة، فيما تكمن الأهمية في منع تحولها إلى صراعات عسكرية. ولفت إلى أهمية وجود آليات لبناء الثقة، بما يتيح للدول توضيح تحركاتها وإجراءاتها الأمنية والعسكرية لجيرانها عندما تستدعي الظروف ذلك، ويحد من سوء الفهم أو تفسير تلك التحركات باعتبارها تهديدًا مباشرًا.
هرمز يتحول من بؤرة توتر إلى مساحة تعاون
وحول ما ورد في كلمة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في كامبريدج بشأن مستقبل التفاهمات الإقليمية حول مضيق هرمز، رأى العيسائي أن المضيق يضيف بعدًا خاصًا إلى ترتيبات الأمن في المنطقة، بالنظر إلى أهميته للملاحة والاقتصاد العالمي. وأوضح أن الطرح العُماني الحالي ينقل ملف مضيق هرمز من منطق التضاد إلى فكرة التعاون، ويضع أمام دول المنطقة فرصة لبناء تفاهمات تتعلق بأمن المضيق واستقرار حركة العبور فيه.
وأشار إلى أن هذا المسار يمثل فرصة لسلطنة عُمان ودول مجلس التعاون والجمهورية الإسلامية الإيرانية وبقية الأطراف المعنية، بالنظر إلى أن استقرار المضيق لا يهم الدول المطلة عليه وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بحركة الاقتصاد والأمن العالميين. وأضاف أن أهمية الطرح تكمن في العمل نحو استقرار دائم لحركة المرور في المضيق، بعيدًا عن التهديد بإغلاقه أو فرض رسوم على العبور أو تحويله إلى ساحة للنزاعات العسكرية.
واعتبر أن منع الصراع العسكري حول المضيق يمثل فرصة ينبغي التمسك بها، مستحضرًا تجربة دعوة سلطنة عُمان عام 1976 التي لم تصل إلى الإطار الإقليمي الشامل الذي كانت تستهدفه.
التعاون الإقليمي شرط للاستقرار
ورأى العيسائي أن إعادة طرح هذه الأفكار في كلمة وزير الخارجية تعكس، من وجهة نظره، نهجًا عُمانيًا ثابتًا يقوم على أن استقرار المنطقة يحتاج إلى تعاون الدول المحيطة بها، وأن الأمن لا يمكن أن يتحقق بصورة منفردة. وأشار إلى دراسة سابقة أُعدت في إطار مجلس التعاون حول أفضل السبل للتعامل مع إيران، موضحًا أن مراكز دراسات استراتيجية وعسكرية وأمنية خليجية شاركت فيها، وخلصت ـ بحسب حديثه ـ إلى أهمية إبقاء العلاقات الخليجية الإيرانية في مستوى جيد وتجنب الانزلاق إلى الصراع والصدام.
وأضاف أن الأمن الخليجي، وفق هذه الرؤية، يتطلب وجود قنوات للتعاون والتفاهم مع إيران، في إطار أوسع يطمئن دول المنطقة بعضها إلى بعض ويقلل احتمالات الأزمات المتكررة. وأكد أن بناء هذا القدر من الاستقرار والتفاهم يمثل أساسًا ضروريًا لتوجيه الجهود نحو التنمية والنمو الاقتصادي، بدل بقاء المنطقة رهينة دورات متلاحقة من التوتر والأزمات.
لمتابعة برنامج «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:
