استحقاق المواطن العُماني.. متى يصبح التكافل المجتمعي مكمّلاً لدور الدولة لا بديلاً عنه؟

نشر في:  4 نوفمبر 2026: 9:26 م +04

آخر تحديث:  4 نوفمبر 2026: 9:28 م +04

استحقاق المواطن العُماني.. متى يصبح التكافل المجتمعي مكمّلاً لدور الدولة لا بديلاً عنه؟

6 دقائق للقراءة

TT

14

الوصال – الدكتور إدريس الفليتي 

ثمة مشاهد اجتماعية تستحق منا التوقف والتأمل، ليس لأنها تفتقر إلى النبل الإنساني، بل لأنها تطرح تساؤلات أعمق حول مستوى المعيشة، والعدالة الاجتماعية، وحدود المسؤولية بين الدولة والمجتمع، والأهم من ذلك كله: ما الذي يستحقه المواطن العُماني في وطنه؟

لا يمكن لأحد أن ينكر القيمة الإنسانية والوطنية لما تقوم به الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية والأفراد من مبادرات لمساعدةالمحتاجين، وفك كرب المعسرين، وعلاج المرضى، ودعم الأسر المتعثرة. إنها صور مشرقة من التكافل والتراحم، وتعكس أصالة المجتمع العُماني وحرص أبنائه على ألا يتركوا أحداً يواجه ظروف الحياة وحده.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نمتلك الشجاعة لطرحه هو: لماذا أصبحت هذه المبادرات، في كثير من الحالات، تتدخل لمعالجة احتياجات معيشية وصحية أساسية؟ وهل من الطبيعي أن يستمر المجتمع في جمع التبرعات لمعالجة أوضاع يفترض أن تكون لها حلول مؤسسية مستدامة؟

حين نلاحظ انتشار الجمعيات والفرق الأهلية التي تسعى إلى توفير المساعدات المالية والعينية للمواطنين، فإننا نرى حراكاً مجتمعياً يستحق التقدير، ولكننا في الوقت ذاته نتساءل: أليس من الأجدى أن تتجه الجهود الحكومية بصورة أكثر فاعلية نحو رفع المستوى المعيشي للمواطن، ومعالجة الأسباب التي تجعله بحاجة متكررة إلى هذه المساعدات؟

وحين نتابع مبادرات طلابية ومجتمعية تنجح في جمع مبالغ كبيرة، تصل في بعض الحالات إلى مليون ريال عُماني لصالح جمعيةخيرية، فإننا نفرح بروح العطاء لدى أبنائنا، لكننا نتساءل أيضاً: ما طبيعة الاحتياجات التي تستدعي هذه المبالغ؟ ولماذا توجد هذهالفجوات أصلاً؟ وهل يكفي أن نحتفي بحجم المبلغ الذي جُمع، دون أن نتوقف عند حجم الحاجة التي استدعت جمعه؟

ولا يختلف الأمر كثيراً عندما نتأمل مبادرات مثل «فك كربة»، أو «السهم الوقفي»، وغيرها من المبادرات التي تستهدف تخفيفالأعباء عن المواطنين. نحن هنا أمام جهود نبيلة، لكن تكرار الحاجة إلى تفريج الكرب يفتح باباً مهماً للنقاش حول مسببات التعثرالمالي، وارتفاع الالتزامات المعيشية، ومدى كفاية شبكات الحماية الاجتماعية في الوقاية من الوصول إلى هذه المراحل.

أما حين يتعلق الأمر بمواطن يصاب بمرض مستعصٍ، وتبدأ حملة تبرعات واسعة لإنقاذ حياته أو توفير تكاليف علاجه، فإن المشهديصبح أكثر إيلاماً. فالحياة والصحة ليستا مجالاً ينبغي أن يتوقف فيه مصير الإنسان على نجاح حملة تبرعات أو سرعة استجابةالمتبرعين. ومن حقنا أن نتساءل: ما مدى كفاية التغطية الصحية؟ وما البدائل المؤسسية المتاحة للحالات التي تتجاوز إمكاناتالمريض وأسرته؟ ولماذا يجد المجتمع نفسه أحياناً أمام مسؤولية جمع المبالغ اللازمة لعلاج أحد أبنائه؟

إن القضية هنا ليست في وجود العمل الخيري، بل في تحوّل الحاجة إليه من استثناء إلى معالجة متكررة لاحتياجات أساسية.

ومن المهم أن نميز بين مفهومين: التكافل المجتمعي بوصفه قيمة إنسانية وحضارية، وبين الاعتماد عليه بوصفه آلية لمعالجة اختلالاتمعيشية وصحية بصورة مستمرة. الأول مصدر قوة للمجتمع، أما الثاني فيستدعي مراجعة السياسات والبرامج التي يفترض أن توفرالحماية والاستقرار.

ومن هنا تبرز مسألة «رفع الاستحقاق لدى المواطن العُماني». والمقصود بذلك ليس أن يطالب المواطن بالرفاهية غير المحدودة، أو أنتتجاوز مطالبه قدرات الدولة وإمكاناتها، وإنما أن يمتلك وعياً بحقّه في حياة كريمة، وخدمات صحية وتعليمية ذات جودة، وفرص عملمناسبة، ودخل يمكّنه من الوفاء بالتزاماته الأساسية، ومنظومة حماية اجتماعية تحول دون انزلاقه إلى العوز عند أول أزمة مالية أوصحية.

فالمواطن لا ينبغي أن يعتاد على أن يكون الحل دائماً في البحث عن متبرع، أو إطلاق مناشدة، أو انتظار مبادرة أهلية. بل ينبغي أنتكون لديه ثقة بأن هناك منظومة مؤسسية قادرة على التعامل مع احتياجاته بكرامة وعدالة واستدامة.

وهنا لا بد من استحضار رؤية عُمان 2040، التي جعلت «الرفاه والحماية الاجتماعية» إحدى أولوياتها الوطنية، وحددت ضمنتوجهاتها الاستراتيجية تحقيق حياة كريمة ومستدامة للجميع. وهذا يضع أمامنا سؤالاً مشروعاً: كيف نقيس التقدم في هذه الأولوية؟هل نقيسه بعدد المبادرات الخيرية والمبالغ التي تجمعها؟ أم بمدى انخفاض الحاجة إلى تلك المبادرات لمعالجة الاحتياجات الأساسية،وتحسن مستوى معيشة المواطن، وقدرة الأسر على مواجهة الأزمات دون أن تضطر إلى طلب المساعدة؟

وبالتأكيد، لا تعني هذه التساؤلات تجاهل ما تحقق في مجال الحماية الاجتماعية، ولا إغفال دور صندوق الحماية الاجتماعيةوالبرامج الحكومية القائمة. لكنها دعوة إلى تقييم مدى كفاية هذه المنظومة، ومدى وصولها إلى المستحقين، وقدرتها على معالجةالأسباب الجذرية للتعثر المعيشي والصحي، لا الاكتفاء بالتدخل بعد وقوعه.

إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لعدد من الملفات، من بينها كفاية دخل الأسر، وعبء الديون والالتزامات المالية، وتكاليف العلاج،والحماية الصحية، وفرص التوظيف، وآليات التدخل المبكر للأسر المعرضة للتعثر. كما نحتاج إلى بيانات واضحة تكشف حجمالاعتماد على المساعدات الأهلية، وطبيعة الحالات التي تستفيد منها، ومدى تكرارها، حتى نتمكن من الانتقال من معالجة النتائج إلىمعالجة الأسباب.

والسؤال الذي يظل حاضراً: إلى متى ستصمد التبرعات والجهود الذاتية للمجتمع أمام اتساع الاحتياجات وتنوعها؟

فالمواطن الذي يتبرع اليوم لمساعدة مواطن آخر، قد يجد نفسه غداً في حاجة إلى من يساعده. والطالب الذي يشارك في جمعالتبرعات اليوم، يستحق أن ينشأ في بيئة تضمن له مستقبلاً لا يكون فيه مضطراً إلى الاعتماد على التبرعات لتلبية احتياجاتهالأساسية.

إننا لا نريد مجتمعاً يتوقف فيه العطاء، بل نريد مجتمعاً تقل فيه أسباب الحاجة إلى العطاء الاضطراري. ولا نريد أن تتراجعالجمعيات الخيرية أو الفرق التطوعية، بل نريد لها أن تتفرغ أكثر لمجالات التنمية والتمكين والمبادرات النوعية، بدلاً من أن تتحملبصورة متكررة أعباء الاحتياجات المعيشية الأساسية.

إن رفع الاستحقاق لدى المواطن يبدأ من رفع سقف التوقعات المشروعة تجاه جودة الحياة والخدمات والفرص، ومن ترسيخ ثقافةالسؤال والمساءلة البنّاءة، ومن الإيمان بأن كرامة المواطن واستقراره المعيشي ليسا منّة، بل غاية أصيلة من غايات التنمية الوطنية.

فإلى متى سيظل المواطن يعالج ويساعد ويفرج كربة المواطن؟ ومتى نصل إلى مرحلة يكون فيها التكافل المجتمعي سنداً للتنمية، لابديلاً عن منظومة الحماية والاستقرار المعيشي؟

إن السؤال ليس لماذا يتبرع العُمانيون، فهذه إحدى أجمل خصالهم، وإنما لماذا تتكرر بعض الاحتياجات التي تدفعهم إلى التبرع؟

وهذا سؤال يستحق أن يكون في صميم النقاش الوطني حول مستقبل الرفاه والحماية الاجتماعية في عُمان.