الوصال ـ رأت الدكتورة حصة بنت عبدالله البادي، أكاديمية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية وكاتبة وشاعرة، خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، أن الموظف الذي يقضي سنوات طويلة أو عقودًا في العمل خارج مجتمعه المحلي قد يجد نفسه عالقًا بين انتماءين؛ أحدهما للمكان الذي نشأ فيه، والآخر للمكان الذي يعمل فيه ويمنحه جانبًا كبيرًا من خبراته وجهده وحياته اليومية.
وأوضحت البادي أن ما أسمته «الاقتراب الوظيفي المكاني» ينشأ عندما يُعيّن الموظف في منطقة بعيدة عن مجتمعه الأصلي، ويقضي فيها سنوات طويلة يبذل خلالها طاقته وكفاءاته ومهاراته، في مقابل شعور قد يتولد لديه أحيانًا بأن المجتمع الجديد لا يعترف بالكامل بما قدمه له. وأضافت أن هذا الموظف يعيش في الوقت نفسه غربة أخرى تجاه مجتمعه الأصلي، إذ تؤثر سنوات البعد الطويلة في مستوى ارتباطه والتزامه الاجتماعي بالمكان الذي جاء منه، ما يخلق حالة مركبة لا تبدو ظاهرة من الخارج، رغم أنها حاضرة لدى عدد من الموظفين.
اعتراف مؤسسي
ولفتت البادي إلى أن القضية لا ترتبط فقط بالترقية أو الدخل المادي، وإنما تتصل بصورة أوسع بالاعتراف الاجتماعي والمؤسسي بالموظف الذي يعمل خارج محافظته. وأشارت إلى أن العدالة يمكن أن تظهر في الفرص والترقيات والامتيازات، لكن الأهم كذلك مراعاة الوضع الاستثنائي لهذا الموظف الذي يتحمل مشقة التنقل والبعد لسنوات طويلة.
وأضافت أن بعض الموظفين قد يُطلب منهم العمل والمشاركة في إعداد الفعاليات والمهام لفترات طويلة، لكنهم لا يجدون أنفسهم ضمن واجهة الاحتفاء بنتائج ما أنجزوه، فقط لأنهم لا ينتمون جغرافيًا إلى المنطقة التي يعملون فيها.
وقت العمل
وبيّنت أن الإشكالية تظهر عندما يُنظر إلى الموظف باعتباره جزءًا من المؤسسة وقت العمل، لكنه يصبح خارج المشهد عند إبراز الإنجازات أو تمثيل المؤسسة اجتماعيًا. وقالت إن الموظف قد يكون في بعض الحالات من أبرز من أنجزوا العمل أو ساهموا في إخراجه، ثم لا يجد نفسه حاضرًا عند الاحتفاء بالنتيجة، وهو ما يولد لديه إحساسًا بعدم الاعتراف بعطائه. وأكدت أن هذه المسألة اجتماعية في جوهرها بقدر ما هي إدارية، لأنها تمس شعور الموظف بالقبول والانتماء إلى البيئة التي يعمل فيها.
مراعاة البعد
ودعت البادي إلى مراجعة السياسات والممارسات المرتبطة بالموظفين الذين يعملون في مناطق بعيدة، خاصة من تستغرق رحلتهم إلى أسرهم ومجتمعاتهم الأصلية ساعات طويلة. ورأت أن مراعاة هذه الظروف يجب ألا تظل مرتبطة باجتهاد المسؤول وتقديره الشخصي، وإنما ينبغي أن تنعكس بصورة أوضح في اللوائح والسياسات الداخلية، بما يضمن قدرًا أكبر من العدالة بين الموظفين. وأشارت إلى أن بعض المسؤولين قد يبدون مرونة إنسانية تجاه هذه الحالات، في حين يتمسك آخرون بعدم وجود نص قانوني يفرض تلك المراعاة، وهو ما يدعو -بحسب رأيها- إلى تطوير الأطر المنظمة لتأخذ هذا البعد الاجتماعي في الاعتبار.
وطن واحد
وأكدت البادي أن سلطنة عُمان لا ينبغي أن تتحول في التعامل الوظيفي إلى مربعات جغرافية مغلقة، يُهمش داخلها الموظف لأنه قادم من محافظة أخرى. وأوضحت أن قطاعات عديدة تضم موظفين يعملون خارج مناطقهم الأصلية، ومن بينهم العاملون في القضاء والجهات العسكرية والأمنية وغيرها، معتبرة أن استمرار التعامل معهم وفق منطق «أنت لست من هنا» لا يساعد على بناء شعور حقيقي بالانتماء إلى مكان العمل. وأضافت أن الموظف الذي يقدم جهده وخبرته لمجتمع آخر غير مجتمعه الأصلي يستحق تقديرًا إضافيًا لا تهميشًا، لأنه يوسع دائرة عطائه إلى ما هو أبعد من محيطه المحلي.
ولاء أوسع
وأشارت البادي إلى أن أجيالًا من الموظفين انطلقت من فكرة خدمة سلطنة عُمان في أي مكان تحتاج فيه إلى جهودهم، دون اشتراط العمل داخل نطاقهم الجغرافي الخاص. وأضافت أن هذا الولاء العام للوطن يحتاج في المقابل إلى اعتراف مؤسسي واجتماعي بسنوات الموظف وجهده وعطائه للمكان الذي يعمل فيه.
وبيّنت أن كثيرًا من الموظفين لا يقتصر وجودهم في مناطق العمل على ساعات الدوام، وإنما يشاركون أيضًا في أنشطة مجتمعية مختلفة، ما يجعل علاقتهم بالمكان أعمق من مجرد وظيفة مؤقتة. وأكدت ضرورة إيجاد تواصل مؤسسي واجتماعي يعزز انتماء الموظف للمكان الذي يعمل فيه، من دون أن يقطع صلته بمجتمعه الأصلي، حتى لا يبقى عالقًا بين منطقتين دون شعور كامل بالانتماء لأي منهما.
رضا وظيفي
ودعت البادي المسؤولين إلى عدم نقل صعوبات تجاربهم السابقة إلى موظفيهم الحاليين، معتبرة أن مرور المسؤول بظروف صعبة لا ينبغي أن يكون مبررًا لصناعة الظروف ذاتها لمن يعملون معه. وأشارت إلى أن تكرار عبارات مثل «عشنا أصعب من ذلك» لا يقدم حلًا للمشكلة، بل إن الأجدى الاستفادة من تلك التجارب لتخفيف العقبات أمام الموظفين.
وأكدت أن تسهيل ظروف الموظف لا يعني تحويل حياته إلى ترف، وإنما توفير بيئة تمكنه من أداء عمله بصورة أفضل، مشيرة إلى أن الموظف الذي يشعر بالرضا الوظيفي يكون أكثر قدرة على بذل جهد إضافي وتحسين إنتاجيته.
تكامل التجارب
وشددت البادي على أهمية تجاوز الأسئلة المتعلقة بأصل الموظف ومحافظته والمنطقة التي جاء منها عند تقييم دوره داخل المؤسسة. ورأت أن تنوع الموظفين القادمين من مناطق مختلفة يمكن أن يصنع تجربة مؤسسية أكثر ثراءً، لأن كل فرد يحمل معه خبرة وتجربة اجتماعية يمكن أن تضيف إلى بيئة العمل.
وأضافت أن القيم العامة واحدة في مختلف محافظات سلطنة عُمان، لكن تنوع التجارب المحلية يمكن أن يخلق صورة تكاملية أجمل داخل المؤسسات إذا جرى استثماره بصورة إيجابية. وأكدت أن الهدف هو بناء بيئة لا يشعر فيها الموظف بأنه غريب عن المكان الذي يعمل فيه، ولا يفقد في الوقت نفسه ارتباطه بالمكان الذي جاء منه، بحيث يصبح الانتماء للوطن هو الإطار الأوسع الذي يجمع الجميع.
لمتابعة برنامج «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام: