الوصال ـ ربطت سعاد بنت علي بن سعيد السليمي، عضو مجلس إدارة الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان ورئيسة لجنة المرأة العاملة بالاتحاد، اتساع حضور المرأة في العمل النقابي بزيادة الوعي بالتشريعات واكتساب مهارات الحوار والتفاوض، موضحة أن تجربتها بدأت من النقابة العمالية في مؤسستها، قبل أن تصل إلى رئاسة النقابة العامة لقطاع الإنشاءات ثم عضوية مجلس إدارة الاتحاد العام. وخلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، استعرضت السليمي مسار تجربتها منذ دخولها العمل النقابي في عامي 2015 و2016 تقريبًا، مشيرة إلى أن العمل النقابي في سلطنة عُمان يعد حديثًا نسبيًا، وأن بداياته شهدت لجانًا تمثيلية منذ عام 2006، قبل أن يتطور الإطار المنظم له لاحقًا.
وأوضحت أن دخولها هذا المجال بدأ عبر برامج تدريبية وحلقات تعريفية بالتعاون مع الاتحاد العام ووزارة العمل، أتاحت لها الاطلاع على طبيعة العمل النقابي وتجارب عربية ودولية، قبل أن تخوض انتخابات النقابة في مؤسستها وتُنتخب رئيسة لها. وأضافت أن التجربة انتقلت بعد ذلك إلى العمل على اتفاقيات العمل الجماعية والمفاوضات مع الجهات المعنية، ثم إلى تأسيس إطار قطاعي للعاملين في الإنشاءات، انتهى بانتخابها لرئاسة النقابة العامة للقطاع بعد مشاركتها في معالجة عدد من القضايا وتحقيق امتيازات للنقابات المنضمة إليه.
من الصدام إلى الحوار
وتحدثت السليمي عن أحد أبرز التحديات التي واجهت العمل النقابي في بداياته، والمتمثل في الصورة الذهنية التي كانت تربطه بالصراع بين العامل والمؤسسة، مبينة أن التدريب والممارسة ساهما في تغيير هذا المفهوم نحو بناء شراكة حقيقية وحوار يهدفان إلى تحسين ظروف وبيئة العمل مع المحافظة في الوقت نفسه على استقرار المؤسسة. وقالت: إن استقرار المؤسسة ينعكس على استقرار العامل، وإن هذا الفهم لم يكن واضحًا في البدايات لدى كثير من العاملين، لكنه تطور تدريجيًا مع التدريب والاحتكاك بالتجارب المختلفة.
وأشارت إلى أن العمال غير العُمانيين يستطيعون الانضمام إلى الجمعيات العمومية للنقابات، فيما تقتصر عضوية الهيئات الإدارية على العُمانيين بحسب الإطار المنظم للعمل النقابي، موضحة أن النقابات حرصت على الاستماع إلى احتياجات هذه الفئة والدفاع عن حقوقها عبر الاجتماعات والزيارات الميدانية. وأضافت أن الاتحاد العام أنشأ لجنة خاصة تُعنى بالعمال غير العُمانيين ومتابعة التحديات التي تواجههم وظروف عملهم، فيما يبقى ضعف الاستقرار الوظيفي ومستوى التعليم واللغة من بين التحديات التي تظهر بصورة أكبر لدى بعض العاملين في القطاعات ذات الوظائف البسيطة.
المعرفة بالقانون صنعت الفارق
وحول وصولها إلى رئاسة نقابة في قطاع يغلب عليه الحضور الرجالي، أوضحت السليمي أن التحدي لم يكن مرتبطًا بكونها امرأة فقط، وإنما كذلك بطبيعة البيئة ونقص المعرفة في البدايات. وأضافت أن مشاركتها في برامج داخل سلطنة عُمان وخارجها واطلاعها على تجارب عربية ودولية منحاها الأدوات اللازمة، وفي مقدمتها فهم القوانين والتشريعات المنظمة للعمل.
وأشارت إلى أن كثيرًا من العاملين لم يكونوا على دراية كافية بالتشريعات والقرارات التي تكفل حقوقهم وتنظم العمل النقابي، وهو ما كان يولد الخوف والتردد في الانضمام إلى النقابات أو المشاركة في أنشطتها. وبيّنت أن اكتساب المعرفة غيّر طريقة التعامل مع القضايا، لأن العامل أو النقابي يصبح قادرًا على التمييز بين الحق الذي يكفله القانون وبين الامتياز الذي يحتاج إلى تفاوض مع المؤسسة.
وأكدت أن بناء الثقة مع العاملين يبدأ بالاستماع إليهم والوضوح معهم وعدم تقديم وعود لا يمكن تنفيذها، ثم تحديد طبيعة المشكلة ومتابعتها مع الجهات المختصة إذا كانت حقًا قانونيًا، أو إدراجها ضمن اتفاقية عمل جماعية إذا كانت امتيازًا يمكن التفاوض بشأنه. وأوضحت أن قرب ممثل النقابة من بيئة العاملين ومعرفته اليومية بتحدياتهم يسهمان في زيادة الثقة، لأنها تحدثت عن قضايا قطاع كانت تعمل فيه وتعيش ظروفه بصورة مباشرة.
قلة الترقي والاستقرار من تحديات الإنشاءات
وعن أبرز ما يواجه العامل العُماني في قطاع الإنشاءات، أشارت السليمي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» إلى محدودية فرص الترقي وضعف الاستقرار الوظيفي في بعض المؤسسات، نتيجة طبيعة القطاع واعتماده على المشروعات وما قد تتعرض له الشركات من تعثر أو توقف أو إفلاس أو انخفاض في حجم الأعمال. وأضافت أن ضعف الإلمام بالتشريعات يمثل تحديًا آخر، إلى جانب الخوف من فقدان الوظيفة بسبب الانتساب للعمل النقابي، رغم وجود أطر قانونية وقرارات داعمة للعمل النقابي وحماية ممارسيه.
وأشارت إلى أن المستوى التعليمي المحدود لبعض العاملين قد يقلل كذلك من فرص تطويرهم أو انتقالهم إلى وظائف أعلى، فيما يمكن أن تشكل اللغة عائقًا إضافيًا أمام بعض الفئات. ورأت أن دخول المرأة العمل النقابي يواجه التحديات نفسها التي تواجه أي نقابي في بداياته إذا لم تتوافر المعرفة والتدريب، مؤكدة أهمية الاطلاع على قانون العمل والحماية الاجتماعية والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، حتى يعرف العضو النقابي حقوقه وأدواته والجهات التي يمكن الرجوع إليها عند مواجهة أي إشكال.
ارتفاع مشاركة المرأة
وكشفت السليمي عن ارتفاع تمثيل المرأة في العمل النقابي خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن التقرير السنوي للاتحاد العام بنهاية عام 2025 أظهر وجود أربع عضوات في مجلس إدارة الاتحاد العام. وأضافت أن نحو 37 امرأة شاركن في مفاوضات جماعية على مستوى الجهات المختصة، فيما تضم لجنة المرأة قرابة 195 عضوة، إلى جانب نحو 71 عضوة في الهيئات الإدارية للنقابات العامة.
وأكدت أن حضور المرأة يسجل زيادة من عام إلى آخر، مع وجود متابعة من الاتحاد العام لزيادة مشاركتها في الهيئات الإدارية ولجان المرأة وتشجيعها على الانتساب والمنافسة على المواقع النقابية.
زيارات ميدانية لقضايا المرأة العاملة
وحول أولويات لجنة المرأة العاملة، أوضحت السليمي أن الزيارات الميدانية تأتي في مقدمة عملها، إذ تحرص على لقاء النساء في مواقع العمل بمختلف القطاعات، ومنها الصناعة والنفط والغاز والبيع والتوزيع والكهرباء وغيرها. وأشارت إلى أن الهدف يتمثل في تعريف النساء غير المنتسبات بالعمل النقابي وتشجيعهن على الانضمام إلى الجمعيات العمومية، إضافة إلى التأكد من وجود تواصل مستمر بين النقابات والعاملات ورصد التحديات والمقترحات المتعلقة بسياسات المؤسسات وبيئة العمل.
وأضافت أن اللجنة تتابع ملفات تمس المرأة العاملة، من بينها التمييز والتحرش وغيرها من القضايا، إلى جانب العمل على الاتفاقيات الجماعية التي يمكن من خلالها الوصول إلى امتيازات تتجاوز الحد الأدنى الذي تنظمه القوانين. ولفتت إلى اهتمام الاتحاد العام بإشراك النساء العاملات في مناقشة الاتفاقيات والقضايا التي تخصهن، مشيرة إلى مناقشة مرئيات مرتبطة باتفاقية حماية الأمومة رقم 183، إلى جانب موضوعات واتفاقيات أخرى مرتبطة بالمرأة والعمل.
وأكدت أن الهدف هو ألا تبقى مشاركة المرأة محصورة في عضوية الجمعيات العمومية، وإنما أن تمتد إلى الحوار حول التشريعات والاتفاقيات والمشاركة في المحافل والمنظمات الدولية.
المفاوضة الجماعية تبدأ من العامل
وشرحت السليمي مفهوم المفاوضات الجماعية، موضحة أن نجاحها يتطلب امتلاك النقابيين مهارات الحوار والتفاوض، لأن غياب هذه الأدوات في المراحل الأولى أدى في بعض الحالات إلى صدامات مع المؤسسات أو الجهات المختلفة. وأضافت أن الاتحاد العام عمل على تطوير هذه المهارات لدى النقابات، حتى أصبحت المفاوضات أكثر تنظيمًا وقدرة على الوصول إلى تفاهمات.
وأوضحت أن الاتفاقية الجماعية لا تبدأ من مكتب النقابة، وإنما من زيارة مواقع العمل والاستماع إلى العاملين ورصد مطالبهم وتصنيفها، للتمييز بين المخالفات والحقوق التي يكفلها القانون وبين الامتيازات التي يمكن التفاوض عليها. وأشارت إلى أن الحقوق غير المطبقة يتم التواصل بشأنها مع وزارة العمل بصفتها الجهة الرقابية، بينما تنتقل المطالب الإضافية إلى مسار التفاوض بين النقابة والمؤسسة للوصول إلى اتفاقية عمل جماعية.
وبيّنت أن احتياجات العاملين تختلف من قطاع إلى آخر، فالمرأة في المصانع قد تواجه تحديات مرتبطة بساعات وظروف العمل، بينما تختلف احتياجات العاملات في قطاع النفط والغاز بحكم طبيعة المواقع وبعدها الجغرافي. وأكدت أن الاتفاقيات الجماعية يمكن أن تتضمن أربع أو خمس نقاط أو أكثر بحسب متطلبات القطاع، وأن المفاوضات قد تضم ممثلين من العاملين والاتحاد العام والخبراء القانونيين للوصول إلى حلول مقبولة للطرفين.
تفريغ للدراسة ومرونة للحامل وامتيازات للسائقين
وقدمت السليمي أمثلة على امتيازات نجحت نقابات في تضمينها ضمن اتفاقيات العمل الجماعية، من بينها منح بعض الموظفين وقتًا للتفرغ الجزئي للدراسة عندما يرغبون في تطوير أنفسهم، رغم أن الدراسة لم تكن مطلوبة من المؤسسة. وأشارت إلى التوصل كذلك إلى ترتيبات تسمح لبعض العاملين الذين يسكنون خارج محافظة مسقط بالمغادرة قبل نهاية الدوام بنحو ساعتين في نهاية الأسبوع، لتسهيل عودتهم إلى محافظاتهم.
وأضافت أن الاتفاقيات تضمنت أيضًا مزايا لبعض السائقين عند الانتقال لمسافات محددة خارج مسقط، من خلال علاوات إضافية، إلى جانب تحمل المؤسسة كلفة الإقامة في الفندق إذا اضطر السائق للمبيت أثناء المهمة. وتطرقت إلى امتيازات للمرأة الحامل، من بينها إتاحة عمل مرن في بداية الشهر التاسع في بعض الحالات، مؤكدة أن القيادات النقابية لا تقرر هذه المزايا من تلقاء نفسها، وإنما تنطلق من احتياجات العاملين التي تُرصد ميدانيًا ثم تُحوّل إلى مطالب تفاوضية.
وأضافت أنه في حال عدم الوصول إلى اتفاق، يمكن للاتحاد العام أن يدخل لدعم المفاوضات، كما يمكن أن تشارك وزارة العمل في تقريب وجهات النظر، مشيرة إلى وجود تجارب سابقة أسهم فيها تدخل هذه الجهات في الوصول إلى تفاهم بين النقابة والإدارة.
«كوفيد» أظهر أثر العمل النقابي
وردًا على من يرى أن العمل النقابي لا يحقق فائدة ملموسة، استشهدت السليمي بما حدث خلال جائحة «كوفيد-19»، موضحة أن النقابات والاتحاد العام لعبوا دورًا في التفاوض مع الشركات والجهات المختصة للحفاظ على وظائف عدد من العاملين في ظل إغلاق بعض المؤسسات وتعثر أخرى ماليًا. وأشارت إلى أن بعض المفاوضات تناولت خيارات تتعلق بالأجور وظروف العمل بما يسمح باستمرار العامل في وظيفته بدل فقدانها بالكامل.
وأضافت أن فائدة العمل النقابي لا تقتصر على المطالبة بالحقوق أو رصد المخالفات، وإنما أسهم كذلك في توسيع معرفة العاملين بالاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر وغيرها من الملفات، وأتاح لهم المشاركة في لقاءات ولجان ومفاوضات على المستويين الإقليمي والدولي. ورأت أن العمل النقابي أسهم أيضًا في تطوير معرفة العامل بحقوقه وواجباته تجاه مؤسسته وبلده، وفي تحسين مهارات الحوار والمفاوضة والتعامل مع قضايا اجتماعية مختلفة، مؤكدة أن قيمته تتجاوز النظر إليه باعتباره أداة للمطالبة بالمزايا فقط.
وأشارت إلى أن حتى العاملين في المؤسسات التي توفر مزايا جيدة يمكن أن يستفيدوا من العمل النقابي من خلال المشاركة في المؤتمرات واللجان المحلية والدولية ومسارات الحوار والتفاوض.
الناخب يبحث عمن يمثله لا عن جنسه
وحول فرص المرأة في الانتخابات النقابية، رأت السليمي أن مستوى الوعي في المجتمع تطور، وأن العامل أصبح ينظر إلى قدرة المرشح على تمثيله وخدمته، سواء كان امرأة أو رجلًا. وأوضحت أن المعيار بالنسبة للناخب يتمثل في صدق المرشح ووضوحه واستمرار تواصله بعد الانتخابات وما قدمه من عمل فعلي، لا في جنسه.
وأضافت أن النقابي يحتاج إلى مهارات وأخلاقيات تقوم على الأمانة والشفافية واحترام القوانين والتشريعات وفتح باب الحوار، إلى جانب تقديم حلول للطرفين وعدم تحويل العلاقة مع المؤسسة إلى صراع دائم. وأشارت إلى أن نجاح المفاوضات يتطلب أن يوضح ممثل العمال كذلك ما الذي ستستفيده المؤسسة من تقديم امتيازات للعاملين، بما يحقق مصلحة متبادلة ويزيد فرص الوصول إلى حلول قابلة للتطبيق.
التوازن بين الأسرة والعمل أبرز تحديات القيادات النسائية
وحددت السليمي أبرز التحديات التي تحد من وصول مزيد من النساء إلى الهيئات الإدارية للنقابات في صعوبة التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، خصوصًا بالنسبة للعاملات في القطاع الخاص مع طول ساعات العمل. وأوضحت أن العمل النقابي يمثل مسؤولية إضافية تتطلب حضور اجتماعات وبرامج تدريبية وأنشطة إلى جانب الوظيفة والالتزامات الأسرية والاجتماعية.
وأضافت أن بُعد مواقع بعض البرامج والاجتماعات يشكل تحديًا آخر للنساء العاملات في المحافظات عندما تتركز بعض الأنشطة في مسقط، رغم محاولات الاتحاد استقطاب مشاركات من مختلف المحافظات. وأشارت إلى أن نقص المعرفة بالعمل النقابي واستمرار الخوف لدى بعض العاملات من أن يؤثر الانتساب النقابي على وظائفهن يمثلان عاملين إضافيين، مؤكدة أن زيادة الوعي بالتشريعات والضمانات المنظمة للعمل النقابي يمكن أن تساعد على توسيع مشاركتهن مستقبلًا.
لمتابعة برنامج «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام: