الوصال ـ رأى الدكتور إدريس الفليتي، مستشار نفسي تربوي ورئيس مركز أنسنة للاستشارات التربوية والتعليمية، أن خدمات الإرشاد النفسي في مؤسسات التعليم العالي بسلطنة عُمان قطعت خطوات مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى المأمول قياسًا بحجم احتياجات الطلبة والضغوط الأكاديمية والنفسية التي يمرون بها خلال سنوات الدراسة الجامعية.
وأوضح الفليتي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن التساؤل الذي يستحق الوقوف عنده هو أسباب تعثر بعض الطلبة الذين يدخلون الجامعات والكليات بمعدلات مرتفعة، ثم يجد بعضهم صعوبة في مواصلة دراسته أو يصل إلى مرحلة الانسحاب، معتبرًا أن الجانب النفسي ينبغي أن يكون أحد المحاور الأساسية عند بحث أسباب هذه الحالات. وأشار إلى أن المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن تكتفي بمتابعة المعدلات الأكاديمية وحدها، وإنما تحتاج إلى التعرف بصورة مبكرة على احتياجات الطالب النفسية ومدى قدرته على التكيف مع البيئة الجامعية الجديدة.
أعداد الطلبة تفوق قدرات الكوادر المتاحة
ولفت الفليتي إلى وجود تفاوت كبير بين أعداد الطلبة وأعداد الأخصائيين النفسيين العاملين في بعض مؤسسات التعليم العالي، مشيرًا إلى أن عدد طلبة التعليم الجامعي في سلطنة عُمان يقارب 150 ألف طالب وطالبة. وأضاف أنه وفق ما لديه من معلومات واتصالات، توجد مؤسسات يصل فيها عدد الطلبة إلى نحو 6 آلاف طالب مقابل أخصائي نفسي واحد، فيما قد تضم مؤسسات أخرى ما بين 10 آلاف و15 ألف طالب مقابل اثنين أو ثلاثة من الأخصائيين، وهو ما يطرح تساؤلًا حول قدرة الكادر الموجود على تلبية الاحتياج الفعلي. وأوضح أن الطالب يقضي عادة ما بين خمس وسبع سنوات داخل المؤسسة التعليمية، وهي فترة طويلة يتعرض خلالها لضغوط أكاديمية ونفسية مختلفة، ما يتطلب وجود آليات مستمرة للتواصل معه وليس انتظار وصوله إلى مرحلة الأزمة.
فحص نفسي وقائي للطالب
وطرح الفليتي فكرة إدخال الفحص النفسي ضمن الإجراءات المصاحبة لالتحاق الطالب بالمؤسسة التعليمية، على غرار الفحص الطبي المطلوب للتأكد من سلامته الجسدية. وبيّن أن الهدف من هذا الإجراء ليس وصم الطالب أو اعتباره مريضًا، وإنما التعرف مبكرًا على مؤشرات القلق أو الاكتئاب أو العزلة أو أي صعوبات أخرى قد تؤثر لاحقًا على مسيرته الأكاديمية.
وأشار إلى أن بعض الأخصائيين العاملين في المؤسسات التعليمية يحتاجون كذلك إلى مزيد من التأهيل في استخدام المقاييس النفسية وتطبيقها على الطلبة، باعتبارها إحدى الأدوات التي تساعد على قراءة المؤشرات بصورة علمية. وأضاف أن المطلوب هو الانتقال من انتظار الطالب حتى يطلب المساعدة إلى إجراءات وقائية تستطيع اكتشاف المشكلة في مراحلها الأولى.
السنة الأولى.. تحدي الانتقال من المنزل إلى الجامعة
وعن الفترات الأكثر حساسية خلال الحياة الجامعية، أوضح الفليتي أن طالب السنة الأولى يواجه عادة صعوبة في التكيف، نتيجة انتقاله من بيئة الأسرة والمنزل إلى بيئة جديدة قد تعتمد على السكن الخارجي وتحمل مسؤولية المأكل والمشرب وتنظيم الحياة اليومية بصورة مستقلة. وأشار إلى أن نظام الدراسة نفسه يتغير بعد الانتقال إلى الجامعة، بما يفرض على الطالب طريقة مختلفة في التعلم وإدارة الوقت وتحمل المسؤوليات. وأضاف أن السنة الأولى ترتبط بصورة أكبر بصعوبة التكيف مع الحياة الجامعية، في حين قد تظهر ضغوط أخرى بصورة أكبر خلال السنتين الثالثة والرابعة مع ارتفاع المتطلبات الأكاديمية واشتراط المحافظة على معدلات محددة في بعض البرامج والتخصصات.
التعثر الأكاديمي قد يكون مؤشرًا نفسيًا
وبيّن الفليتي أن التعامل مع الطالب المتعثر لا ينبغي أن يقتصر على تقليل عدد الساعات الدراسية أو إبلاغ ولي الأمر، وإنما يحتاج إلى معرفة الأسباب التي أوصلته إلى هذا المستوى. وأشار إلى أهمية إخضاع الطالب لجلسات تساعد على فهم ما إذا كانت هناك صعوبة في التكيف أو قلق من الاختبارات أو ضغوط نفسية أخرى أثرت في أدائه. وتساءل عن أسباب انتقال طالب كان من أصحاب المعدلات المرتفعة في دبلوم التعليم العام إلى التعثر بعد دخوله الجامعة، معتبرًا أن البحث في الجوانب النفسية يمثل جزءًا ضروريًا من الإجابة.
الحالات الشديدة تحتاج إلى دراسة أسبابها
وتوقف الفليتي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»عند الحالات التي تتفاقم فيها الضغوط النفسية إلى مستويات خطرة، مشيرًا إلى أن بعض الطلبة قد يمرون بحالات من الكآبة أو الاكتئاب، وقد تصل بعض الحالات الشديدة إلى إيذاء النفس. وأكد أنه لا يتحدث عن ظاهرة عامة، وإنما عن حالات وقعت وتستحق الدراسة وعدم الاكتفاء بتسجيلها ثم إغلاق الملف، لافتًا إلى أهمية البحث في الأسباب التي قادت إليها ووضع إجراءات وقائية تحول دون تكرارها.
وأضاف أن فقدان حياة طالب، حتى وإن كان في حالات محدودة، يستحق أن يكون دافعًا لمراجعة أساليب الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية. ورأى أن الاستقرار الاجتماعي وتوفر الخدمات التعليمية والمعيشية لا يلغي إمكانية تعرض الطالب لضغوط نفسية، ولذلك ينبغي النظر إلى ما يمر به الطالب من جوانب أكاديمية ونفسية بصورة متكاملة.
المشرف الأكاديمي حلقة اكتشاف مبكر
وتناول الفليتي دور المشرف الأكاديمي أو الطلابي، موضحًا أنه يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في رصد التغيرات التي تطرأ على الطالب وإحالته إلى مركز الإرشاد عند الحاجة. وأشار إلى أن انخفاض المعدل التراكمي أو تراجع الحضور أو تغير السلوك لا ينبغي التعامل معه بوصفه مسألة أكاديمية فقط، وإنما قد يكون وراءه قلق أو صعوبة تكيف أو أسباب نفسية أخرى. وأضاف أن المشكلة تكمن أحيانًا في ضعف الإجراءات المتبعة إلى جانب محدودية أعداد الكوادر الموجودة في مراكز الإرشاد الطلابي.
المخرجات موجودة والتحدي في التعيين والتأهيل
وحول توفر المختصين، أشار الفليتي إلى أن المشكلة ليست في عدم وجود خريجين، وإنما في وجود مخرجات في التخصصات ذات الصلة مقابل نقص في التعيينات. وأضاف أن جانبًا آخر يتعلق بتأهيل المختصين لممارسة العمل بصورة احترافية، خصوصًا في تطبيق المقاييس النفسية والتعامل مع احتياجات طلبة التعليم العالي. ورأى أن رفع أعداد الأخصائيين وحده لا يكفي دون بناء قدراتهم وتزويدهم بالأدوات التي تمكنهم من رصد المشكلات والتعامل معها في مراحلها المبكرة.
الأسرة مطالبة بالاستماع لا بالضغط فقط
وتحدث الفليتي عن دور أولياء الأمور، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تركز بصورة كبيرة على التحصيل والمعدل والنجاح، بينما قد تكون بعيدة عن الضغوط التي يمر بها الأبناء. وأكد أن طلب المساعدة النفسية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره عيبًا، وأن التدخل النفسي لا يعني بالضرورة الأدوية أو العلاج المكثف، إذ قد تكون حاجة الطالب الأساسية في بعض الحالات أن يجد من يستمع إليه. وأوضح أن الإصغاء من الأب والأم أو المشرف أو المختص قد يكون في بعض المواقف خطوة كافية لمنع المشكلة من التفاقم.
عزوف الطلبة عن طلب المساعدة
وأشار الفليتي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن من التحديات القائمة عزوف بعض الطلبة عن مراجعة المختص النفسي خشية أن يُنظر إليهم باعتبارهم مرضى أو أن يتداول الآخرون ذلك عنهم. ورأى أن المجتمع أسهم في وضع الجانب النفسي داخل إطار استثنائي، رغم أن الوقاية النفسية ينبغي أن تكون جزءًا طبيعيًا من الرعاية الصحية. وجدد مقترحه بأن تكون هناك «لياقة نفسية» أو مؤشرات نفسية أساسية عند التحاق الطالب بالمؤسسة التعليمية، بما يساعد على كسر الحاجز الاجتماعي المرتبط بمراجعة المختصين.
انسحاب الذكور يحتاج إلى قراءة أوسع
وحول الفروق بين الطلبة والطالبات، أشار الفليتي إلى أن الإناث قد يكن أكثر عرضة لبعض صور الضغط المرتبطة بطبيعة التكوين النفسي وكثرة التفكير، لكن الواقع الذي يرصده يشير إلى أن الانسحاب من الدراسة يظهر بصورة أكبر لدى الذكور. وأوضح أنه لا يضع نسبة محددة لهذه الحالات، إلا أن الملاحظة العامة تظهر ارتفاع أعداد الخريجات مقارنة بالذكور، مؤكدًا في الوقت نفسه أن أسباب انسحاب الطالب قد تكون متعددة ولا ترتبط دائمًا بالصحة النفسية وحدها، فقد ينسحب للحصول على وظيفة أو لأسباب أخرى.
المبتعثون يواجهون صعوبة التكيف أيضًا
وتطرق الفليتي إلى الطلبة المبتعثين خارج سلطنة عُمان، موضحًا أنهم يواجهون كذلك ضغوط التكيف، خصوصًا في السنة الأولى وما يصاحب الانتقال إلى بلد جديد من إجراءات ومتطلبات مختلفة. وأشار إلى تجارب في بعض الجامعات الأوروبية تعتمد إجراءات وقائية وتواصلًا منتظمًا مع الطالب، بحيث تبادر المؤسسة إلى التواصل معه وتحفيزه ومتابعته إذا تراجع أداؤه أو واجه صعوبة في متطلبات مثل اللغة الإنجليزية. ورأى أن هذه الممارسات تستحق الدراسة لمعرفة مدى إمكانية الاستفادة منها في مؤسسات التعليم العالي داخل سلطنة عُمان، خصوصًا في جانب التواصل الاستباقي مع الطالب.
الصحة النفسية ليست بندًا تكميليًا
ورفض الفليتي النظر إلى الدعم النفسي باعتباره خدمة إضافية يمكن الاستغناء عنها بسبب كلفتها، معتبرًا أن إعداد المواطن لا يقتصر على الجانب الأكاديمي أو الصحة الجسدية. وأشار إلى أن مؤسسات التعليم العالي تنفق مبالغ كبيرة في مختلف جوانب العملية التعليمية، ويمكن تخصيص موارد إضافية لتعزيز الكوادر والخدمات النفسية. واقترح تنفيذ استطلاع واسع بين طلبة مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان لقياس مستوى رضاهم عن خدمات الإرشاد النفسي، ومعرفة ما إذا كانت هذه الخدمات تلبي احتياجاتهم بالفعل.
السكن ليس سببًا مباشرًا للتعثر
وفيما يتعلق بالسكن الطلابي، أوضح الفليتي أن الانتقال إلى السكن الداخلي أو الخارجي يمكن أن يسبب صعوبة في التكيف، خصوصًا خلال السنة الأولى، إلا أنه لا ينبغي اعتباره سببًا مباشرًا للاكتئاب أو التعثر الدراسي من دون تشخيص. وأشار إلى أن الطالب يتكيف عادة تدريجيًا مع البيئة الجديدة، فيما قد تلعب عوامل أخرى مثل الصحبة والعادات الدراسية والاهتمام بالمقررات دورًا في أدائه الأكاديمي والنفسي.
حلول سريعة تبدأ بالوعي وطريقة مخاطبة الطلبة
وطرح الفليتي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»مجموعة من الحلول التي يمكن تطبيقها دون انتظار زيادة كبيرة وفورية في عدد الكوادر، في مقدمتها نشر ثقافة الوعي النفسي بين الطلبة، خصوصًا طلبة السنة الأولى. ودعا إلى استخدام خطاب أكثر طمأنينة في التعامل معهم والابتعاد عن لغة التهديد المستمر بالمعدل والتعثر، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني تخفيف المتطلبات الأكاديمية وإنما تحسين أسلوب التواصل.
كما أشار إلى إمكانية توظيف التطبيقات والذكاء الاصطناعي في توفير قنوات أولية للتواصل والإجابة عن استفسارات الطلبة، إلى جانب إنشاء وسائل اتصال مباشرة يمكن أن تساعد الطالب عند حاجته إلى الدعم. وحث الطلبة على المشاركة في المناشط والفعاليات وعدم حصر حياتهم بين قاعات الدراسة والمكتبة، لما للأنشطة والهوايات من دور في الترويح النفسي وتعزيز الاندماج في البيئة الجامعية.
تبادل الخبرات بين المؤسسات
ودعا الفليتي إلى توسيع التعاون بين الجامعات والكليات وتبادل الخبرات في مجال الإرشاد النفسي، على غرار التعاون القائم في بعض الأنشطة والمجالس الطلابية. وأشار إلى أن بعض المبادرات موجودة بالفعل، إلا أنها لم تصل بعد إلى المستوى المأمول، في ظل استمرار معاناة مراكز الإرشاد من نقص الأخصائيين مقارنة بأعداد الطلبة.
التشخيص لا يكون من وسائل التواصل
وحذر الفليتي من استخدام مصطلحات مثل «الاكتئاب» و«القلق» بصورة عشوائية لمجرد المرور بضغوط عابرة، مؤكدًا أن الإنسان يتعرض طبيعيًا لانتكاسات وضغوط مختلفة خلال حياته. وأوضح أن تشخيص الاضطرابات النفسية يجب أن يستند إلى مقاييس وأدوات علمية، وليس إلى الانطباعات أو ما يتداوله الأفراد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف أن الضغوط ليست مبررًا للتكاسل أو التخلي عن المسؤوليات، وإنما ينبغي أن يتعلم الطالب كيفية استعادة ثقته بنفسه والتعامل مع الصعوبات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من مراحل الحياة.
الأسرة أول محطة دعم
وربط الفليتي قدرة الشاب أو الشابة على مواجهة الحياة الجامعية بطريقة التنشئة داخل الأسرة، موضحًا أن الانتقال بعيدًا عن المنزل يمثل أحد أول الاختبارات الحقيقية للاستقلال والاعتماد على النفس. وأشار إلى أن الأب والأم يمثلان المحطة الأولى لدعم الطالب، ثم يأتي دور المرشد النفسي والأخصائي الاجتماعي والمشرف الأكاديمي. وأضاف أن غياب الإنصات داخل الأسرة قد يزيد من صعوبة المشكلة، خصوصًا إذا لم يجد الطالب في المؤسسة التعليمية بديلًا يستطيع التحدث إليه بثقة.
المشكلات تبدأ صغيرة ثم تكبر بالتجاهل
واستعرض الفليتي بعض المؤشرات التي تستحق الانتباه، من بينها التفكك الأسري وعدم وجود من يستمع للطالب، موضحًا أن المشكلات النفسية غالبًا ما تبدأ بصورة بسيطة قبل أن تتوسع إذا تم تجاهلها. وأشار إلى أن الغياب المتكرر، والتعثر المفاجئ في مواد كان الطالب متفوقًا فيها، ورفض العودة إلى المنزل، وانقطاع ولي الأمر عن التواصل، كلها علامات يمكن أن تفتح باب التساؤل عن وجود مشكلة تحتاج إلى تدخل.
ودعا إلى عدم تسفيه أفكار الطالب أو تجاهل العبارات التي يرددها، لأن المختص يستطيع أحيانًا قراءة مؤشرات مهمة من خلالها. وأكد أن التعامل مع أفكار الشباب ينبغي أن يكون بالحوار والجلوس معهم ومحاولة فهم ما يشغلهم، لا بإقصائهم أو إغلاق باب النقاش تحت عناوين العيب أو المنع، خصوصًا أن المرحلة الجامعية تتزامن مع فترة تتبلور فيها شخصية الشاب وتتكون رؤيته للحياة.
لمتابعة برنامج «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام: