الوصال ـ رأى عبدالله بن زهران العوفي، رائد أعمال، أن التحدي الذي تواجهه المؤسسات الصغيرة لا يرتبط بتراجع النشاط التجاري وحده، وإنما بتراكم الرسوم والاشتراطات على مشروعات ذات هوامش ربح محدودة، داعيًا إلى دراسة أثر القرارات قبل تطبيقها وإشراك أصحاب الأعمال وغرفة تجارة وصناعة عُمان في مناقشتها. وأوضح العوفي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن تجربته في العمل الخاص تمتد منذ عام 1999، وتركزت بصورة أكبر في قطاع المقاولات، إلى جانب أنشطة في الديكور والحواسيب والهواتف ومغاسل الملابس والمقاهي.
وأضاف أنه بدأ نشاطه في المقاولات بخمسة عمال، ثم توسع إلى أكثر من 20 عاملًا في مرحلة من المراحل، قبل أن يتجه إلى تقليص العدد مع ارتفاع الالتزامات وتراجع حجم الأعمال. وأشار إلى أن انخفاض فرص التوظيف انعكس، من وجهة نظره، على عدد من الأنشطة الاقتصادية، موضحًا أن حصول الأفراد على وظائف ينعكس على قدرتهم على البناء والشراء والتوسع، ومن ثم على حركة المؤسسات العاملة في قطاعات مختلفة.
هامش محدود
وتحدث العوفي عن نشاط مغاسل الملابس باعتباره مثالًا على طبيعة المؤسسات الصغيرة، موضحًا أنه نشاط مطلوب في السوق ولا يتطلب تجهيزات مرتفعة التكلفة مقارنة بأنشطة أخرى، إلا أن التحدي يكمن في محدودية العائد وصعوبة توفير وظائف إضافية برواتب ثابتة. وبيّن أن عدد العمال لا يحسب، بحسب تجربته، على نشاط واحد فقط، وإنما على السجل الذي يضم أكثر من نشاط، موضحًا أن لديه ثلاثة عمال فقط في محلين لغسيل الملابس، بينما يتوزع بقية العاملين على أنشطة أخرى.
وقال إن الإيراد يختلف من شهر إلى آخر؛ فقد يكون جيدًا في شهر، ويتراجع في آخر، ويكون متوسطًا في فترة أخرى، وهو ما يجعل احتساب دخل ثابت يمكن تخصيصه لتوظيف مواطن أمرًا صعبًا بالنسبة إلى مؤسسة صغيرة. وأضاف أن العائد الشهري الذي يبقى لصاحب المشروع قد لا يتجاوز في بعض الحالات 200 أو 250 ريالًا، معتبرًا أنه يمثل دخل صاحب المؤسسة نفسه وليس أرباحًا كبيرة قابلة للتوسع من خلالها.
رسوم العمال
وأشار العوفي إلى أن من أبرز التحديات التي يواجهها الرسوم المرتبطة بالعمال، موضحًا أن صاحب بطاقة ريادة الذي لديه حتى ثمانية عمال يدفع، بحسب حديثه، 211 ريالًا عند تجديد البطاقة أو إصدار مأذونية جديدة، بينما ترتفع الرسوم إلى 421 ريالًا عند تجاوز العدد وعدم تسجيل عامل عُماني.
وأضاف أن تطبيق الزيادة على العمال يرفع التكلفة بصورة كبيرة على المؤسسة الصغيرة، خصوصًا إذا كانت الأنشطة متفرقة وعوائدها محدودة. ولفت إلى أن إجمالي العاملين لديه في مختلف الأنشطة يتراوح بين 18 و20 عاملًا، إلا أنهم موزعون بين مشروعات بسيطة لا تتضمن وظائف تخصصية أو إدارية كبيرة يمكن من خلالها تحمل رواتب إضافية بسهولة. وأوضح أن وجود هذا العدد من العمال لا يعني بالضرورة وجود هامش ربح مرتفع، لأن لكل نشاط إيجارات ورواتب ومصروفات تشغيل والتزامات متكررة.
دخل غير مستقر
وردًا على التساؤل حول إمكانية توظيف مواطن في ظل وجود نحو 20 عاملًا وافدًا، أوضح العوفي أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم استقرار الدخل. وقال إن صاحب المؤسسة لا يستطيع تحديد راتب شهري ثابت لموظف إضافي إذا كان الإيراد نفسه متغيرًا، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا مما يدخل إلى المؤسسة يعاد توزيعه على الرواتب والإيجارات والمصاريف والالتزامات الأخرى.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل صاحب المشروع نفسه يحتاج إلى دخل مستقر، في وقت قد لا توفر له مشروعاته الصغيرة هذا الاستقرار. ولخص واقع بعض المؤسسات بقوله إن المبالغ «تأتي من هنا وتوزع هناك» لضمان استمرار النشاط، ما يجعل من الصعب في بعض الأحيان تحديد صافي الربح بدقة.
التفتيش والتنظيم
وأكد العوفي أنه يؤيد تنظيم سوق العمل والتفتيش والرقابة، إلا أنه طالب بأن تراعى طبيعة الأنشطة الصغيرة والمهام المؤقتة عند تنفيذ بعض الإجراءات. وضرب مثالًا بالعامل الذي ينفذ عملًا بسيطًا ومحدود المدة خارج طبيعة مهمته الأساسية، معتبرًا أن التعامل مع مثل هذه الحالات بالطريقة نفسها التي يعامل بها العامل غير النظامي قد يرفع تكلفة المشروع بصورة كبيرة.
وأشار إلى أن بعض المخالفات قد تصل، بحسب تجربته، إلى 1500 ريال، موضحًا أن تنفيذ عمل بسيط يستغرق ساعات أو أيامًا قد يتحول إلى عبء مالي كبير إذا لم تكن المستندات المطلوبة مكتملة وفق الإجراء المحدد. ودعا إلى تكثيف الرقابة على العمال غير الملتزمين أو الذين انتهت بطاقاتهم أو يعملون بصورة غير قانونية، مع إعطاء مساحة أكبر لمعالجة الحالات البسيطة للعاملين الذين يحملون بطاقات سارية ويلتزم أصحاب منشآتهم بالأنظمة.
دراسة الحالات
وقال العوفي إنه راجع الجهات المعنية بشأن اشتراط توظيف مواطن، إلا أنه ـ وفق تجربته ـ لم يجد مسارًا لدراسة قدرة المؤسسة المالية كل حالة على حدة، وإنما كان الخيار بين الالتزام بالتوظيف أو تحمل الرسوم الإضافية. وأضاف أن المسؤولين في المحافظات يستمعون إلى أصحاب الأعمال ويتفهمون تحدياتهم، إلا أن صلاحياتهم تبقى مرتبطة بالأنظمة والقرارات المركزية المعتمدة. وأشار إلى وجود اختلاف في بعض التسهيلات والإجراءات بين مسقط ومحافظات أخرى بحسب تجربته في إدارة الأنشطة.
إشراك الغرفة
وطالب العوفي بأن تمر القرارات التي تمس أصحاب المؤسسات قبل تطبيقها عبر حوار أوسع مع غرفة تجارة وصناعة عُمان وأصحاب الأعمال. وقال إن الغرفة تمثل حلقة وصل بين التاجر والحكومة، وإن وجود أصحاب الأعمال في السوق يجعلهم أقرب إلى معرفة تأثير أي قرار على النشاط اليومي للمؤسسات. وأضاف أن القرار ينبغي أن يبنى على دراسة مسبقة للآثار والتحديات، وأن يسمع رأي المتأثرين به قبل دخوله حيز التنفيذ، بدل أن يجد صاحب المشروع نفسه أمام خيارين فقط؛ التنفيذ أو المخالفة.
انتقال العمال
وتطرق العوفي إلى تحدٍ آخر يتمثل في انتقال العامل من مؤسسة إلى أخرى بعد انتهاء عقده، موضحًا أن صاحب العمل قد يستثمر في تدريب العامل وتأهيله لمدة تصل إلى عامين ثم ينتقل الأخير إلى منشأة أخرى بسهولة. ورأى أن هذه المسألة تمثل كلفة غير مباشرة يتحملها صاحب المشروع الذي أنفق وقتًا وموارد في بناء خبرة العامل. كما أشار إلى رسوم تعديل بعض المهن بعد تغيير مسمياتها في النظام، موضحًا أن إلغاء مسمى مهني من جهة رسمية ثم إلزام صاحب العمل بدفع رسوم لتعديل المسمى على بطاقات عماله يضيف مصروفًا آخر على المؤسسات، وإن بدا المبلغ بسيطًا عند احتسابه للعامل الواحد. وأكد في ختام حديثه أن رواد الأعمال لا يعارضون التنظيم، وإنما يطالبون بتوازن أكبر يراعي الفرق بين المؤسسة الصغيرة والشركة الكبيرة، ويمنح المشروعات القادرة على إعالة أصحابها فرصة للاستمرار والنمو.